▪️ اللغة الأمازيغية في جربة: انتشارها وتراجعها بين 1936 واليوم
بلغت نسبة المتحدثين باللغة الأمازيغية في #جربة عام 1936م نحو 26% من إجمالي السكان. وتكشف أرقام سنة 1936م أن الأمازيغية كانت لغة الأغلبية في ثلاثة أخماس* تقع في الجنوب الغربي للجزيرة وهي: #آجيم، #قلالة، و #سدويكش، حيث يتجاوز معدل الناطقين بها 75٪ من السكان. كما كانت متداولة أيضا بنسب معتبرة (33%) في خمس #المحبوبيين.
▪️ تسمية اللغة #الأمازيغية بجربة
تُعرف اللغة الأمازيغية في الفصحى بـ"#البربرية"، كما يُشار إليها بهذا الاسم لدى المؤلفين الإباضيين الأمازيغ في كتب السير.
أما في الدارجة الجربية، فتُعرف اللغة بـ "الجربي"، وهو المسمى الشائع لدى سكان الجزيرة سواء كانوا من الناطقين بها أو غير الناطقين.
وفي المقابل، نجد بعض المؤلفات الإباضية التي كانت مستعملة قديما في التعليم بجربة، مثل "كتاب البربرية"**، وهو كتاب فقهي مدون بالأمازيغية، يتبنى تسمية "#تمازيغت" وهو اللفظ الأمازيغي للغة.
وقد شاع استخدام مصطلحي "#الأمازيغية" و"#الأمازيغ" في جربة خلال العقود الأخيرة، تزامنا مع بروزهما في القاموس الإعلامي والثقافي العربي في حين أن كبار السن من الناطقين باللغة في الجزيرة لا يعرفون سوى مسمى الجربي.
أما في بعض المناطق غير الناطقة، فيُستخدم أحيانا مصطلح "#الشلحة" وهو لفظ أكد بعض سكان "قلالة" (من الناطقين) عدم استعمالهم له للإشارة إلى لغتهم.
▪️ اللغة الأمازيغية ووضعها اليوم
لا تتوفر اليوم إحصائيات دقيقة حول عدد الناطقين بالأمازيغية في جربة، إلا أن الثابت هو انحصار استخدامها حاليا في خمس قرى فقط، وهي: قلالة، تلات، الفاهميين، ورسيغن، وسدويكش.
وفي المقابل، شهد القرن العشرون اندثار اللغة في مناطق أخرى كانت تضم فئات ناطقة بها مثل: آجيم، المحبوبيين، الماي، صدغيان، الظهيرة، وبدوين.
وقد ارتبطت اللغة الأمازيغية في المخيال الجماعي بقرية #قلالة باعتبارها المعقل الأكبر للناطقين بها في جربة، إذ ما يزال سكانها متشبثين بهويتهم اللغوية ويستعملونها في خاصهم وعامهم، ويحرص الكثير منهم على تلقينها لأبنائهم، رغم أن بعض العائلات الناطقة بالأمازيغية، وهي أقلية، لم تعد تنقل اللغة إلى الأطفال. كما يُلاحظ أن بعض المسنات اللواتي لم يلتحقن بالتعليم لا يزلن لا يتحدثن سوى الأمازيغية، بل إن عددا من الأطفال لا يتعلمون العربية إلا عند ولوجهم الروضة أو المدرسة.
ولا شك أن تعميم التعليم الإجباري بعد سنة 1956م لعب دورا مهما في تعريب الأجيال، تلاه انتشار التلفاز الذي ساهم بدوره في تعزيز هذا المسار ونقل العربية إلى داخل البيوت. وبسبب محدودية فرص التعليم تاريخيا، ظلت النساء أكثر محافظة على استعمال الأمازيغية، مما جعل حضورها بينهن أوسع نطاقا وأكثر استمرارية مقارنة بالرجال.
أما في "سدويكش"، فيبدو تراجع اللغة في الفضاء العام ملحوظا، وهو ما يلاحظه زوار سوقها الأسبوعي مقارنة بقلالة، كما تؤكد الشهادات الميدانية تراجع استعمال الأمازيغية داخل البيوت أيضا. ورغم أن الأطفال قد يبدأون حياتهم بنطقها داخل الأسرة، إلا أنهم وبمرور الزمن والتقدم في السن، يتحولون تدريجيا نحو استعمال العربية بشكل كلي.
▪️ أثر اللغة الأمازيغية في جربة
تتوفر شهادات محدودة من أبناء جيل الستينات في مناطق اندثرت فيها الأمازيغية تماما مثل حومة الشرقيين والواد (بمنطقة #الماي)، والظهيرة (ببني معقل)، والقشعيين (بـ #صدغيان)، و #بدوين تؤكد أن هؤلاء الأحفاد عاصروا أجدادهم وهم يتحدثون الأمازيغية فيما بينهم، مما يعكس أن التحول اللغوي الكامل في تلك القرى وقع في زمن قريب نسبيا.
ويستحضر أحد كبار السن من #بني_معقل (من مواليد عام 1928م) شهادة مفادها أن جد والده كان يتحدث بالأمازيغية، مما يشير إلى أن أفرادا من جيل بداية القرن التاسع عشر كانوا لا يزالون يستخدمونها في تلك المنطقة، قبل أن تنحسر تدريجيا.
أما الشهادات الأكثر وفرة وتواترا حول استمرارية استعمال اللغة الأمازيغية، فقد وردت من منطقتي #آجيم و #المحبوبيين. ويمكنكم إضافة شهاداتكم في التعليقات.
أما في منطقة #ميدون، فقد غابت اللغة الأمازيغية عن الذاكرة المحلية تقريبا ولا نكاد نجد سوى إشارة تاريخية وحيدة وردت في دراسة الباحث "Paul Bertholon" بعنوان: "Exploration anthropologique de l'île de Djerba" الصادر عام 1897م (صـ 59).ويذكر "برتولون" أنه في زمن زيارته لميدون، كان كبار السن وحدهم لا يزالون يتحدثون الأمازيغية، في حين أن الجيل الصاعد آنذاك لم يعد يفهم سوى العربية، مما يؤكد أن مسار التعريب في ميدون كان قد اكتمل تقريبا منذ نهاية القرن التاسع عشر.
ولا شك أن الأثر الأبرز للغة في المناطق غير الناطقة بها اليوم يكمن في أسماء مناطقها ومعالمها. فنجد مثلا أسماء أمازيغية مثل: تزدايين، تملال، آركو، تاوبلمت، شمقتن، أزور، أوراسن، تبورقت، سوف أزداي، زناتة، تندوفت، تغديمس، والغ، زڨاغ، تورورين، تيانست، وغيرها من الأسماء الأمازيغية التي تمثل أثرا لشعب أمازيغي سكن تلك المناطق.
▪️الخاتمة
يذكر الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" منذ القرن الثاني عشر، أن جزيرة جربة كان يقطنها قوم يتحدثون "البربرية"؛ كما تردُ إشاراتٌ مماثلة في بعض كتابات القرن السادس عشر حول وجود سكان يتحدثون لغة غير عربية. ومنذ ذلك الحين وحتى القرن التاسع عشر، تكاد المصادر أن تصمت حول الموضوع.
ومع بداية القرن العشرين، بدأت تظهر معطيات ميدانية وإحصائية أكثر دقة، أبرزها إحصائيات سنة 1936 التي سجلها René Stablo، والتي تسمح بتجاوز غياب المصادر السابقة وفهم الوضع اللغوي بشكل أوضح.
وتبرز هذه المعطيات التراجع التدريجي للأمازيغية بجربة بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين قبل أن تنحصر نهائيا في بعض القرى القليلة التي ما تزال تحافظ عليها إلى اليوم.
ومن بين الأسباب الجوهرية لهذا الاندثار حسب تحليلنا، يبرز عامل الهجرة إذ تُظهر المعطيات التي أوردها "René Stablo ارتفاعا ملحوظا في حركة الهجرة من جزيرة جربة عام 1936م باستثناء منطقتي سدويكش وقلالة.
وقد يفسر هذا الاستثناء جزئيا صمود الأمازيغية فيهما، حيث كان التمسك بالأرض ركيزة أساسية للحفاظ على اللغة. ويُضاف إلى ذلك عامل الاستقرار الديموغرافي، إذ لم تشهد هاتان المنطقتان تدفقات هجرية وافدة كبيرة من خارج الجزيرة، مما حافظ على تجانس المجتمع المحلي.
إلا أن هذه المناطق لم تسلم من موجات هجرة لاحقة وكثيفة نحو فرنسا، لا سيما بعد عام 1968م نتيجة سياسات "التعاضد" في عهد بورقيبة. وأمام هذا الواقع الجديد، يطرح السؤال نفسه: هل ستصمد اللغة أمام وتيرة الهجرة؟ خاصة وأن عددا متزايدا من الأجيال الجديدة يولدون ويكبرون في المهجر، حيث تهيمن اللغة الفرنسية على مسارهم التعليمي واليومي منذ مرحلة الطفولة المبكرة.
وعلاوة على تحدي الهجرة، تواجه الأمازيغية الجربية اليوم خطرا داخليا يتمثل في "تعريب" المصطلحات وفقدان الثروة اللغوية الأصيلة فمع رحيل كبار السن يندثر رصيد هائل من المفردات القديمة التي لم تدون ليحل محلها قاموس مهجن يعتمد بشكل متزايد على استعارة الكلمات من العربية. إن هذا المسار لا يهدد فقط بتقلص عدد الناطقين بل بذوبان الخصوصية المعجمية للغة، مما يجعلها تفقد ثراءها وجذورها اللفظية بمرور الزمن.
وفي ظل هذا التحدي، تبرز أهمية المبادرات العلمية لتدوين اللغة، ولعل أبرزها القاموس المتاح إلكترونيا الذي أعده الباحث الإيطالي Vermondo Brugnatelli، والذي يُعد المرجع الرقمي الوحيد المتوفر حاليا لتوثيق المفردات الأمازيغية الخاصة بجزيرة جربة من الضياع.
يمكنكم الاطلاع على القاموس والبحث في مفردات اللغة عبر الرابط في التعليقات.
* الخمس وحدة ترابية معتمدة قبل سنة 1956م
**يُرجح تأليفه بين القرنين 11 و 14م
المصدر: René Stablo، Les Djerbiens، إحصائيات سنة 1936 حول نسبة الناطقين بالأمازيغية بجزيرة جربة ص 130.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire