تقع زاوية ومسجد الشيخ #سيدي_سالم_الساطوري في حومة #الظهيرة بعمادة #بني_معقل بجزيرة #جربة على حافة ظهرة ترتفع بنحو 24 مترا عن سطح البحر وتشرف على محيط واسع تغلب عليه غابات الزيتون.
ويبدو اليوم الجامع معزولا عن نسيج الحومة إذ لا توجد به مساكن ملاصقة رغم أن بعض البنايات الحديثة بدأت في السنوات الأخيرة تقترب من محيطه تدريجيا. غير أن الوضع لم يكن كذلك في الماضي إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن محيط الجامع كان مأهولا بالسكان إذ يتضمن عددا كبيرا من الآبار المهجورة ما يدل على تغير العمران عبر الزمن.
وتحيط بالجامع المناطق التالية:
من الشمال الشرقي منطقة تُعرف بالجحوف، ثم المركان. ومن الشمال يوجد واد يسمى واد أولاد زيد وقرب الواد مقبرة الساطوريين وتسمى مقبرة أولاد زيد، وفي رأس الوادي مسجد صغير في حالة خراب يُعرف بالغيلانية، وتنسبه الروايات الشفوية إلى أم الساطوري.
أما من الغرب منحدر ظهرة ومجرى واد قديم اختفت آثاره يعرف بواد سوف أزداي ثم غابة زيتون كبيرة تُسمى تغوغا أو تيغوغا كما وردت في بعض وثائق الملكية.
ومن الجنوب الشرقي يوجد واد سيدي إسحاق، نسبة إلى جد الشيخ سيدي سالم الساطوري مؤسس الجامع، وتوجد به آثار بناية ومعمورة مشهورة، وبالقرب منه مكان رملي يُستعمل لعلاج مرض البرد، يليه غابة الصغلي. أما من الجنوب فيحدّه مجال غابي يُعرف بغرداية، والذي أصبح اليوم من المناطق العامرة بالسكان.
ويُعدّ هذا المركّب الديني من أكبر المعالم الدينية في المنطقة، إذ تبلغ مساحته 1900 متر مربع (مقابل الجامع الكبير الشهير بابومسور بالحشان بمساحة 2700 متر مربع).
▪️ أصول الشيخ سيدي سالم الساطوري ونسله
هو الولي المُزار الشيخ سيدي سالم بن إبراهيم بن إسحاق الساطوري الغيلاني وهو مؤسس الزاوية والمدرسة وكان على المذهب الإباضي المستاوي.
. ويُذكر أنّ نسب “الغيلاني” يعود إمّا إلى لقب بن غيلان أو إلى بلد غيلان. وقد كتب المؤدب السابق الحاج سعيد بن الحاج عبد السلام الساطوري ما يلي: «الشيخ الولي الصالح سيدي سالم بن إبراهيم بن إسحاق لقب الساطوري الغيلاني من بلد غيلان، وقيل من جهة الغرب، أتى إلى جربة سنة 785هـ/1383م»، ثم أضاف: «وكان مؤدبا بجامع القمير بسوق القبلي، حين كان ابنه (صالح) في سن 12 سنة».
كما تُورد بعض الروايات نسبه إلى الساقية الحمراء بالمغرب، لكن دون وجود دليل مكتوب مؤكد.
ومن الملفت أنّنا لم نعثر في وثائق القرن 18م على أيّ إشارة إلى نسب معقلي لعائلة الساطوري ضمن رسوم الشراء والبيع، رغم أنّ العدول كانوا يذكرون في العادة أصول البائع والمشتري وانتماءاتهم القبلية في ذلك العصر. وفي حالة عائلة الساطوري، اقتصر الذكر على لقب “الساطوري” فقط دون إضافة “المعقلي”، وهو ما قد يُفهم منه أنّهم لم يكونوا يُنسبون إلى بني معقل، خلافًا لبعض العائلات الأخرى التي صُرّح بأصولها المعقلية في الوثائق نفسها. كما أنّ لقب “الغيلاني” لم يرد في تلك الرسوم العدلية، وإنّما ظهر أساسا في بعض المخطوطات الفقهية عند التعريف بالنّساخ.
وقد أسّست ذرّيته خمسة منازل بمنطقة الظهيرة:
◾ منزل منصور، المعروف أيضا بـ“منزل الفقي رحومة”
◾ منزل الرُوَيّس
◾ منزل الدحامنة
◾ منزل الحاج قاسم
◾ منزل بن حلال
في المقابل، يُعتبر “منزل العزابية” بمنطقة #الظهيرة خارج هذا النسب، إذ يرى بعض أهله أنّ جدّهم هو يخلف الساطوري ولا يعود إلى ذرية الشيخ سيدي سالم، وأنهم لا يُعدّون من أحفاده المباشرين. وينطبق الأمر نفسه على عائلة الساطوري بحومة #بدوين. وبناء على هذا، فهم لا يندرجون ضمن المستفيدين من حقوق الأحباس المرتبطة بنسله.
وتُعدّ هذه العائلة الأكبر عددا من ضمن العائلات الجربية داخل عمادة بني معقل وهو ما يعكس قدم استقرارها في المنطقة.
كما تحتفظ مكتبة صيانة جزيرة جربة بوثيقة تتعلق بشجرة ذرية الساطوري، نسخة سنة 1220هـ / حوالي 1805–1806م، وقد رأينا من المفيد إيراد جزء منها هنا:
الحمد لله, هذه نسخة من سلسلة جدنا #الساطوري كما وُجد في دفاتر الأولين نقلته عن أوائلنا الماضين:
الشيخ إسحاق خلّف إبراهيم، إبراهيم خلّف الشيخ المرابط سالم المشهور الآن عند الناس، والشيخ سالم خلّف صالح، و صالح خلّف يونس، و يونس خلّف إبراهيم، و إبراهيم خلّف يونس، و يونس خلّف إبراهيم و (اسم مشطب) و سالم.
فإما سالم المذكور خلّف الحاج يونس، و الحاج يونس خلّف الحاج محمد، و الفقيه عيسى، و الفقيه سالم، و الفقيه مسعود، و أبو القاسم.
خلّف الحاج محمد علي، و صالح، ....
ويُفهم من هذه الوثيقة أنّ عائلة الساطوري كانت حريصة على حفظ نسبها وتوثيق امتدادها العائلي، مما يعكس اهتماما واضحا بصون الذاكرة العائلية واستمرارها عبر الأجيال.
▪️ الوصف المعماري
يتكوّن مركّب زاوية الساطوري من صحن واسع تتوسطه فسقية وماجل، وتحيط به عديد الغرف التي لم نتعرف على وظائفها بدقة، غير أنّ كثرتها واتساعها يوحيان بأن المكان لم يكن مجرد مسجد مخصص للصلاة اليومية.
وفي الجهة الغربية توجد الزاوية التي تضم ضريح الولي، إضافة إلى عدد من القبور الأخرى لأفراد من العائلة الذين أوصوا بدفنهم بجوار جدهم.
كما يضم المركّب أيضا من الجهة الغربية بيت صلاة وحوشا ومخزنا، وهي عناصر تشير إلى وظائف متعددة تتجاوز مجرد العبادة. كما ظل الجامع إلى وقت قريب مقصدا للزائرين من جربة والجنوب التونسي، ولا يزال يُزار إلى اليوم وإن بشكل أقل من الماضي.
▪️ النقاش التاريخي حول الوظيفة التعليمية
تقدّم وثيقة غير مؤرخة محفوظة بالأرشيف الوطني التونسي، وهي جريدة للأحباس الموقوفة على الجامع، معطى مهما يفيد بوجود وظيفة تعليمية داخل المؤسسة. جاء في مقدمتها:
«الحمد لله، هاته جريدة العقارات الموقوفة على زاوية الشيخ سيدي سالم الساطوري والمصلين والمؤدب والمدرسين وطلبة العلم والفقراء والمساكين بها».
وتكتسي هذه العبارة أهمية كبيرة، لأنها لا تذكر فقط المصلين، بل تنص صراحة على “المدرسين وطلبة العلم”، وهو ما يدل على وجود نشاط تعليمي منظم داخل المؤسسة. كما أن لفظ “بها” يعود على زاوية الساطوري نفسها، مما يجعل الوثيقة شاهدا مباشرا على الوظيفة العلمية للمكان. أمّا مستوى هذا التعليم وطبيعته وتاريخ ممارسته، فذلك موضوع آخر يحتاج إلى دراسة مستقلة.
ويزداد هذا المعطى أهمية إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة وثائق الأحباس في جربة. فبحسب ما هو معروف في وثائق جمعية الأوقاف، كان هناك تدقيق كبير في مصارف الأحباس لضمان وصولها إلى مستحقيها، وبالتالي فإن التنصيص على “المدرسين وطلبة العلم” لا يبدو أمرا شكليا أو اعتباطيا، بل يفترض وجود مراقبة دورية لما يصرف من الأموال الموقوفة عليهم.
كما تؤكد الرواية الشفوية المتداولة داخل العائلة أن الجامع كان يؤدي وظيفة “الجامعة” قبل أن يصبح مجرد مسجد للصلاة. وتذكر الروايات المحلية أن المكان كان يوفّر الإقامة والطعام والشراب والتعليم للوافدين من مناطق بعيدة لطلب العلم، وهو ما يفسر كثرة الغرف المحيطة بالمركب.
وتدعم معطيات أخرى ذلك، منها أن عائلة الساطوري عرفت تاريخيا بالعدول ونسخ المخطوطات. وقد أشار الشيخ ساسي بن يحياتن إلى وجود اثني عشر ناسخا من الساطوريين للمؤلفات الفقهية الإباضية المستاوية التي عثر عنها، وهو رقم لافت يصعب فصله عن وجود بيئة علمية محلية. كما كانت للعائلة مكتبة مخطوطات مهمة قامت جمعية صيانة جزيرة جربة بجردها سنة 1976، إلا أن الصفحة الثانية من ذلك الجرد فُقدت لاحقا.
وهذا نص الصفحة الأولى:
الغرض: مكتبة عائلة الساطوري عند سعيد الساطوري.
▪️ قصيدة في قيام رمضان وصلاة العيدين
الناسخ: محمد بن سعيد بن إبراهيم بن يونس بن إبراهيم الساطوري سنة 1170هـ.
▪️ كتاب في أسماء الله وصفاته
للشيخ أبي فريد عبد الرحمن بن سليمان الزواري الولولي
الناسخ: عمرو بن يونس بن إبراهيم بن عبد العزيز بن صالح الساطوري سنة 1258هـ.
▪️ كتاب الشيخ الشهير …
الناسخ: سليمان بن مسعود بن يونس بن سالم الساطوري سنة 1190هـ.
▪️ قصيدة في الصلاة على النبي المختار، كتبت سنة 1276هـ.
▪️ كتاب تفسير القرآن
للإمام جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي.
▪️ شرح العقيدة في علم التوحيد
للشيخ أبي نوح صالح بن سالم بن يدر المدريني، ومعه مجموعة كتب بخط:
عمرو بن يونس بن إبراهيم بن عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم بن إسحاق الساطوري الغيلاني، سنة 1258هـ.
▪️ كتاب ابتدار الردود
للشيخ الإمام محمد بن عبد الله بن يزيد الفزاري.
▪️ كتب في صفات الله
للشيخ عبد الرحمن …
▪️ رسالة ابن الشعية
جابر بن زيد، ومقامة الشيخ ابن عبيدة مسلم بن كريمة التميمي، سنة 1245هـ.
▪️ كتاب البيوع، وكتاب في الحساب والقسمة.
▪️ شرح قصيدة أبي زيد عبد الرحمن بن سليمان الزواري الولولي.
▪️ كتاب الأنوار الماضية في بيان حكم اللآلئ البرية.
▪️ كتب في الصلاة وقصص الفتوحات الإسلامية، ومسودة كتابة وثائق الإشهار.
▪️تاريخ بناء المسجد
تُشير المعطيات التاريخية إلى أن النواة الأولى لزاوية ومسجد الساطوري تعود إلى النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، وهو ما تدعمه شجرة عائلة الساطوري المحفوظة في مكتبة صيانة جزيرة جربة، ويجعل من هذه الفترة تاريخا معقولا لتأسيس الزاوية في مرحلتها الأولى.
وفي مرحلة لاحقة، شهد المركّب عملية توسعة أو إعادة بناء في منتصف القرن الثامن عشر، وقد كشفت النقوش الموجودة أسفل قبة بيت الصلاة (شرقية المفتح)، والتي طُمست للأسف بالجير خلال السنوات الأخيرة، عن تاريخ 1163هـ / 1749م، وتحمل اسم الباني سعيد بن أبي بكر بن أحمد المامتي، مع نص يفيد بتجديد أو بناء “المسجد المبارك”. ويُفهم من ذلك أن بيت الصلاة الحالي يعود إلى هذه المرحلة المتأخرة، أي إلى القرن الثامن عشر.
وقد وُضعت بعد ثورة 2011 لافتة داخل الجامع تشير إلى تاريخ وفاة مؤسس الزاوية الشيخ سالم الساطوري سنة 885هـ/1480مـ، غير أنّ هذا التاريخ لا يستند إلى وثيقة تاريخية مؤكدة حسب علمنا، ولذلك يبقى تاريخا تقريبيا. وفيما يلي نص النقوش التي عُثر عليها أسفل قبة بيت الصلاة، والتي تقدّم معطيات مادية مهمة حول تاريخ البناء، وقد وردت في ثلاث صيغ نصية كما تم تسجيلها خلال المعاينة:
▪️ النص الأول
سعيد بن عمر بن احمد المامتي
ثم تاريخ غير مقروء بشكل واضح
▪️ النص الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
انبنا المسجد المبارك بحمد الله تعالى و حسني عونه على يد هالعبد الحقير الفقير الراجي عفو له وغفر له ورضوانه سعيد بن ابي بكر بن أحمد المامتي
عام 1163 هـ / 1749
▪️ النص الثالث
كاتب الحروف الفقيه محمد بن سعيد بن ابراهيم بن يونس الصاطور (كذا)
غفر الله له و لولديه و لجميع المسلمين و المسلمات 1163 هجري / 1750 ميلادي
هذه النقوش تشير إلى مرحلة بناء أو إعادة بناء لبيت الصلاة في منتصف القرن الثامن عشر، ما يوحي بأن البنية الحالية قد تكون لاحقة لمرحلة أقدم مرتبطة بالزاوية نفسها.
لكن حداثة بناء قاعة الصلاة لا تنفي بالضرورة وجود نشاط علمي سابق داخل الزاوية.
وفي نهاية التسعينات تم تنفيذ اشغال لتحديث المسجد، حيث تم ربطه بالماء والكهرباء، واضافة صنابير ماء في المطابخ، وتركيب "فايونس" على الجدران، وغرس الاشجار حول المسجد. وفي بداية سنة 2000 تم انجاز طريق معبدة تؤدي الى المسجد. والسبب في ذلك هو ان زوجة الرئيس زين العابدين بن علي، ليلى الطرابلسي، كانت تزور المسجد.
▪️الخاتمة
يبيّن هذا البحث أنّ جامع الساطوري ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو مركّب ديني ومعماري وتاريخي متعدد الأبعاد، نشأ داخل عمادة بني معقل بجزيرة جربة في سياق تاريخي كان سكان بني معقل على المذهب الإباضي المستاوي، وتطوّر عبر مراحل متعاقبة أقدمها يعود إلى النصف الثاني من القرن الخامس عشر، بينما تعود بعض عناصره الحالية، وخاصة قاعة الصلاة، إلى إعادة بناء في منتصف القرن الثامن عشر، كما تؤكده نقوش سنة 1163هـ / 1749م.
وتشير المعطيات الميدانية واتساع فضائه إلى أنه كان يؤدي وظائف متعددة تجمع بين الإيواء والعبادة والتعليم، وهو ما تدعمه وثيقة حُبُسية تنص على “المدرّسين وطلبة العلم”، إضافة إلى روايات شفوية محلية تؤكد هذا الدور.
كما عرفت وظيفة الجامع تراجعا تدريجيا، ولم يعد يلعب دورا تعليميا كما هو الحال في اغلب مساجد جربة. ويرتبط بالمكان ايضا اعتقاد شعبي ببركة المكان للاستجابة للدعاء من اجل الزواج وانجاب الذكور، اضافة الى روايات حول خرقات الولي الصالح. ومن ابرز مظاهر ذلك ما يروى حول الجحفة التي يقال انها تحولت الى حجر في منطقة الجحوف.
وخلال بداية القرن العشرين، فضّل سكان المنطقة التوجّه إلى جامع الجديد بمنطقة الظهيرة، بينما ظلّ الجامع يُستعمل أساسا لزيارات العائلات. ومع نهاية القرن العشرين انتقلت الصلاة تدريجيا إلى مساجد سوق سدويكش وسوق بني معقل. وفي تسعينيات القرن الماضي جرت محاولة لإعادة تعيين إمام للصلوات الخمس لكنها لم تستمر، كما ساهم بناء الجامع الجديد بحومة الظهيرة حوالي سنة 2000 وبُعد الموقع عن التجمعات السكنية في تقليص دوره، ليقتصر لاحقًا على صلوات العيدين وبعض المناسبات العائلية.
وفي الوقت الحالي، يكتفي الجامع برفع الأذان دون إقامة للصلوات، كما تراجع عدد زوّاره بشكل واضح إذ كانت عائلات من ميدون والماي وبني معقل وقلالة وسدويكش تقصده لزيارات دينية تمتد لأيام، تتخللها الإقامة وطقوس الزيارة وأحيانا ذبح خروف وأكل جماعي بينما أصبحت هذه الزيارات اليوم نادرة وغير منتظمة.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire