dimanche 17 mai 2026

جزيرة رأس الرمل بجربة

تقع منطقة رأس الرمل في الشمال الشرقي لجزيرة #جربة وتتبع إداريا عمادة #مزراية وقد أصبحت اليوم وجهة سياحية معروفة تُعرف باسم «جزيرة الفلامنغو» (Île aux Flamants Roses)، وذلك لاحتضانها مجموعات من طيور النحام الوردي التي تتخذ منها ملاذا.


وقد ورد ذكر هذه المنطقة في بعض الوثائق القديمة تحت اسم "رأس مزنّر". كما يُطلق على المجال الداخلي الواقع عند مدخل هذا الرأس من الجهة الجنوبية الشرقية اسم "شاطئ الحشاني".


▪️ النشأة الجغرافية وتحولات الساحل

تشير الخرائط الإيطالية العائدة إلى القرن السادس عشر إلى أن رأس الرمل لم تكن موجودة بتشكيلها الحالي، ما يؤكد حداثة نشأتها نسبيا في التاريخ الجغرافي للجزيرة، وقد تكوّنت بفعل التيارات البحرية التي تنقل الرمال وترسبها تدريجيا، مكوّنة لسانا رمليا يمتد سنة بعد أخرى في عرض البحر كذراع متطاول وهو ما ساهم في إحداث تآكل وانجراف بحري في الجهة الشرقية من جزيرة جربة، ويبلغ طول هذا اللسان الرملي اليوم حوالي 7.8 كم بعد أن كان في حدود 6.5 كم سنة 1985 أي بزيادة تُقدر في المعدل بحوالي 32 مترا سنويا.


▪️ البيئة البحرية والصيد التقليدي

ارتبطت الحياة في رأس الرمل ارتباطا وثيقا بوادي الجبّار، وهو المجرى المائي الرئيسي الذي يغذي المياه الضحلة غرب الرأس، التي تعرف في وثائق القرن التاسع عشر باسم “بحر تاجدي”.


 وقد ساهم تفاعل مياهه مع ظاهرة المد والجزر في تسهيل الصيد التقليدي، خاصة صيد الأخطبوط (الڨرنيط) والحبار (الشوباي)، حيث كانت الكائنات البحرية تُلتقط بسهولة عند انحسار المياه على أطراف السبخة.

كما كانت تشتهر المنطقة بصيد سمك “الوزف” الصغير، حيث تتميز السبخة (سبخة المزنّر) بنقاء تربتها، مما يسمح بتجفيفه مباشرة على الأرض دون اختلاطه بالطين أو الرمال.


وكان يبرز أيضا صيد سمك “الحندوسة/ la raie” في المياه الضحلة، خاصة عند مصب الوادي، حيث لم يكن يتجاوز عمق المياه أحيانا 20 سم.

أما المصايد الثابتة (الزرايب)، فقد كانت منتشرة في بحر تاجدي في المناطق الهادئة لكنها اندثرت اليوم.


كل هذه الأنشطة البحرية التقليدية تراجعت بشكل كبير في الوقت الحاضر ولم يعد سكان المنطقة يعتمدون على الصيد كمصدر رزق أساسي.


▪️ الغطاء النباتي والمشهد الطبيعي

كانت منطقة الحشاني تضم غابة نخيل معروفة بكثافتها وعلوها حيث كانت النخيل تصل إلى ارتفاعات تتراوح بين 20 و25 متراً، وكانت تُرى من مدينة حومة السوق فتبدو للناظر أشبه بواحة وسط البحر. 


كما عُرفت المنطقة بما يُسمى “الأعشاش” وهو تجمع من النخيل (بين 3 و5 عادة) كان يُستعمل كمأوى طبيعي للصيادين ودوابهم من الإبل والخيول يقيهم حرارة الشمس إلا أنه اليوم لم يبق سوى عدد قليل جدا من النخيل وذلك نتيجة تآكل الشريط الساحلي.


كما كانت سبخة رأس الرمل في مطلع القرن العشرين تستعمل كمجال للرعي من طرف العائلات المحلية حيث كانت تُرعى فيه الإبل.


▪️ الحياة البرية والسلاحف البحرية

كانت رأس الرمل تُعد موقعا مثاليا لتعشيش السلاحف البحرية (الفقْرون)، حيث كانت تأتي خلال فصل الصيف لوضع بيضها في الرمال.


وكان السكان يستغلون دروع السلاحف التي يقذفها البحر إلى الشاطئ وتُعرف باسم “الدوح” لاستعمالها كمهود تقليدية للأطفال الرضع.

واليوم تُعد حماية هذه الكائنات من أبرز أهداف التصنيف البيئي للمنطقة.


▪️ التراث الديني والروايات الشفوية

يُعد جامع الحشاني من أبرز المعالم التاريخية التي كانت قائمة قرب رأس الرمل في شاطئ الحشاني، وقد بدأ في الاندثار تدريجيا إلى أن اختفى مع نهاية سبعينات القرن العشرين.


وقد استُعمل أيضا كنقطة مراقبة دفاعية في الفترات التي كانت فيها جزيرة جربة معرضة لهجمات بحرية، حيث شكّل مع جامع سيدي محرز وجامع سيدي إسماعن مثلثا دفاعيا لمراقبة السواحل والتصدي لتلك الهجمات.


وفي أربعينيات القرن العشرين، كانت العائلات تقيم ليالي صيفية في محيطه، كما كانت تُقام به زيارات دينية وتجمعات عائلية. ولا يحتوي على ضريح.


وكان يبعد حوالي 50 مترا عن الشاطئ خلال خمسينيات القرن العشرين، قبل أن يتعرض للاندثار التدريجي نتيجة انجراف الساحل وتقدم البحر، خاصة مع انطلاق النشاط السياحي وتوسع البناءات الفندقية.


ولا تزال بقاياه، وخاصة الفساقي، مغمورة تحت الماء، مما يجعلها تشكل خطرا على السباحة.


وترتبط بهذا الجامع رواية شعبية تروي قصة عريس اختُطفت زوجته أو سُحرت ليلة زفافها، فقامت بنثر حليها لتدلّه على طريقها، إلى أن وصل إلى موضع الجامع الحالي حيث توفي حزنا عليها، فشُيّد المسجد تخليدا لذكراهما.


كما تُصنف الذاكرة الشفوية جامع الحشاني وجامع “أمي عمر” كأنهما أخوان.


في المقابل، تشير رواية أخرى ينقلها الشيخ سالم بن يعقوب إلى أن تسمية “الحشاني” تعود ببساطة إلى اسم حومة الحشان في منطقة بني دِيس.


▪️ النزاعات العقارية والتحولات الحديثة

شهدت المنطقة نزاعات عقارية بعد الثورة في 2011 حيث ادعت عائلات من المنطقة ملكيتها لهذه الأراضي سواء استنادا إلى وثائق قديمة أو باعتبارها مراعي تاريخية للإبل لأسرتها.

وقد رُفعت قضية بعد الثورة 2011 وانتهت حسب المعطيات المتوفرة بإقرار ملكية الدولة لرأس الرمل واعتبارها ملكا عموميا.


▪️ التحول السياحي والتغيرات الساحلية

عرفت المنطقة (ساحل مزراية في مدخل الحشاني) تحولات كبيرة منذ ستينيات القرن العشرين مع انطلاق النشاط السياحي بافتتاح فندق الجزيرة سنة 1965 تلاه إنشاء فنادق أخرى مثل أوليس بالاس، المدينة (بريستيج)، والبستان.

ومن المؤشرات البارزة على التغير الساحلي أن فندق الجزيرة كان يبعد حوالي 60 مترا عن البحر عند إنشائه، قبل أن تتقدم المياه بسرعة لتصل إلى جدرانه في فصل الشتاء خلال أقل من عشر سنوات، مما يعكس ديناميكية الساحل وتغيره المستمر.


كما تشير بعض الملاحظات إلى أن عمليات جمع الطحالب من الشواطئ أمام الفنادق قد ساهمت في تسريع التعرية الساحلية، إذ كانت هذه الطحالب تعمل كحاجز طبيعي يخفف من تأثير الأمواج والتيارات ويحمي الشواطئ.


▪️ الواقع المعاصر والحماية الدولية

تُصنّف رأس الرمل اليوم كموقع ذي أهمية بيئية دولية ضمن اتفاقية رامسار/RAMSAR، كما تُدرج ضمن البرامج المرتبطة باليونسكو، نظرا لغناها البيولوجي واحتضانها لطيور النحام الوردي والسلاحف البحرية.

وقد أصبحت المنطقة وجهة سياحية بحرية انطلاقا من حومة السوق، مع صعوبة الوصول إليها برا في فصل الشتاء بسبب طبيعة التربة الرطبة. وقد كان من الممكن في السابق الوصول إلى الموقع بالسيارات أو الدراجات النارية، إلا أن هذا الولوج أصبح خلال السنوات الأخيرة غير مسموح.


بهذا، تمثل رأس الرمل نموذجا فريدا لتفاعل العوامل الطبيعية مع الذاكرة الإنسانية في فضاء يجمع بين التاريخ البيئي والرواية الشفوية والتحولات المعاصرة.



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Sélection du message

برنامج نحكي عليك : الحوش الجربي

https://www.youtube.com/watch?v=dQUXE1xcCMI