مع حلول عام 1945 وفدت على جزيرة #جربة مجموعات من الغرباء عُرفوا في الذاكرة المحلية بـ"المغاربة" اشتهروا بممارسة الدجل والشعوذة والاحتيال وأثاروا موجة من الخوف بين السكان. كان هؤلاء يتجولون في الأسواق وبين المنازل، يوهمون السكان بوجود كنوز مدفونة وزاعمين قدرتهم على استخراجها مقابل مبالغ مالية، مستغلين في ذلك بساطة البعض وحلم الثراء السريع.
ولم تكن شروطهم لاستخراج هذه الكنوز أقل غرابة من ادعاءاتهم، فقد كانوا يطلبون قرابين بشرية مثل التضحية بطفل يحمل علامة خاصة في عينه أو كفه أو ذبح خروف بشروط تعجيزية تحاكي الأساطير مثل طهيه وأكله و"قردشة" صوفه وغزله ونسجه، كل ذلك في نهار واحد قبل أن يطلع عليه الصباح.
▪️ قصة مسجد #القمير
يُروى أن أحد هؤلاء المشعوذين قصد يوما منزل بمنطقة #الظهيرة (عمادة #بني_معقل) وأوهم أصحابه بوجود كنز في "#هنشير_غرداية" (وهي آثار قلعة يرجح أنها تعود للفترة #البيزنطية). لكن أصحاب المنزل خافوا ورفضوا الاستماع إليه فانتقل إلى المنزل المجاور فصدقه أهله ودفعوا له مبالغ كبيرة لشراء "بخور استنزال الكنوز".
ادعى المشعوذ هذه المرة أن الكنز مدفون في "مسجد القمير" قرب #سوق_القبلي فجمعوا رجالا للحفر ليلا. وقد ذكر أحد الشهود من حومة الظهيرة أنه طُلب منه آنذاك المشاركة لكنه خاف وتراجع. وتقول الرواية الشعبية إنهم عثروا على "خابية" مليئة بالنقود لكن الواقع ينفي ذلك فهذه العائلة من جيراننا وأقاربنا وحياتهم بقيت بسيطة جدا دون أي أثر للغنى بعد مرور المغاربة. وهذا يؤكد أن قصة الكنز ليست سوى وهم تداوله بعض الناس بسبب حبهم لهذا النوع من القصص.
إن الاعتقاد بوجود كنوز مخبأة في المساجد فكرة قديمة ضاربة في القدم سبقت وصول مشعوذي سنة 1945. وتؤكد وثائق الأرشيف الوطني (سنة 1874 - سبق أن نشرناها على الصفحة) حوادث مماثلة كقدوم غرباء للحفر في "جامع #توسخت" ب #آجيم.
استمر هذا الهوس حتى يومنا هذا وتصاعدت وتيرته خاصة بعد ثورة 2011 حيث تعرضت المحاريب والأعمدة في العديد من المساجد في الغابة والآثار والمواقع التاريخية لعمليات تخريب وحفر عشوائي من قبل المنقبين عن الكنوز. لم يسلم من هذه الاعتداءات أي معلم مما بات يهدد سلامة هذا التراث التاريخي الفريد.
ولعلّ من أبرز الأمثلة المعاصرة التي تجسد رسوخ هذا الاعتقاد ما يتداوله الأهالي حول #ليلى_الطرابلسي زوجة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.
فمن الثابت أنها كانت تزور جامع #الصاطوري بانتظام خلال منتصف التسعينيات (حوالي عام 1995، وهو تاريخ يحتاج لتدقيق). ويُقال إن سبب زياراتها يعود لرؤيا منامية (حلم)، أو رغبة في أن يرزقها الله بمولود ذكر وهو الغرض الذي اشتهر به هذا الجامع تاريخيا. وعندما تحقق لها المراد قامت بترميمه ردا للجميل، وشملت الأشغال تعبيد الطريق المؤدي إليه وتزويده بالمرافق الحيوية الأساسية.
غير أن هذه الرواية الرسمية للعمل الخيري لم تمنع تساؤلات الناس عن سر اهتمام زوجة الرئيس بهذا المعلم بالذات، إذ ساد اعتقاد جازم لدى شق من الأهالي بأن أعمال الترميم لم تكن إلا غطاء لعملية تنقيب كبرى استُخرج خلالها كنز أثري عظيم استولت عليه زوجة الرئيس مما عزز قناعة البعض بأن المساجد القديمة تخفي كنوزا دفينة تحت جدرانها.
▪️ قصص التضحيات في #الفاهمين و #الماي
إن قصص الكنوز المدفونة التي لا تُستخرج إلا بذبح خروف بشروط تعجيزية كما ذكرناها سابقا لم تكن مقتصرة على منطقة بني معقل فحسب بل ترددت أصداؤها أيضا في منطقة #الفاهمين (جنوب قرية #قلالة) وفي منطقة #الماي. ويُرجح أن ذلك مرتبط بمرور نفس هؤلاء المشعوذين المغاربة بتلك المناطق خلال الأربعينيات.
ففي الفاهمين، انتشرت أخبار عن كنز مدفون في "ظهرة الميراز"، وفي الماي عن كنز في "ظهرة الهنشيري"، حيث زعموا أن هذه الكنوز لا تخرج إلا بتقديم تضحية كبش.
ومن أخطر ما رُوي محاولة إقناع أب بذبح ابنته كقربان لاستخراج كنز، وهي رواية صادمة تعكس مدى تأثير المشعوذين على عقول البسطاء في كل زمان ومكان. وقد خلدت الأشعار الشعبية هذه الحوادث بمرارة:
"على الڨارة مسكين كيفاش جراله ... على الغربي اللي جاه وبهذل بحاله"
▪️ قصة "لفقي عمر" وانتصاره على المغربي
من القصص المتداولة في #سدويكش أيضا قصة "الفقيه/لفقي عمر" من منطقة #تفرطاست, كان فقيها ورعا يُعالج بالقرآن ويقصده الناس من مختلف أنحاء الجزيرة للعلاج. في ذلك الزمن، كان "المؤدب/المدب" والفقيه يقومان مقام الطبيب، وكان الناس يجازونهم ببيضة أو ببعض النقود (100 فرنك).
يروي أحدهم أنه ذهب يوما إليه لعلاج أمه ويقول: "كان المؤدبون الصالحون لا يكتبون إلا لطلب الشفاء أو الصلاح، غير أن كثيرين كانوا يمارسون السحر، فيكتبون التعاويذ بقصد التفريق بين الرجل وزوجته، أو لابتلاء الرجل بالعقم ومنعه من الإنجاب". وكان الاعتقاد بأن بعضهم يملك جنا يحميهم ويمنحهم قدرة على كتابة تعويذات لا يتصورها العقل.
كان لفقي عمر يسخّر علمه للعلاج فقط، والبعض يقول إنه متزوج من جنية تحميه وتعلمه الأسرار. ويُعتقد أن الذين يملكون جنا قد يضربهم الجن أحيانا فيموتون "معوجين ومكسرين". ويضيف الشاهد: "هناك من يدجل ويعمل السحر، أما لفقي عمر فكان يكتب للصلاح وللمرض فقط. أمي كانت تمرض و"تصكك" أحيانا، فكتب لها حرزا وشفيت بقدرة الله". كان يكتب الحرز (دعاء وآيات قرآنية) على ورقة طويلة في شكل شريط يطويها عدة مرات ويغلقها في جلد ويطلب من المريض تعليقها في ثيابه.
ويُروى أن أحد المشعوذين المغاربة سمع عن قدرات لفقي عمر فجاء ليتحداه، فنصب قرب منزله وكان خماسا يسحب الماء بالجمل من البئر فقام المشعوذ بسحر ساروط البئر حتى جمد فيه الماء فتفطن الخماس لذلك وذهب لإخبار لفقي عمر الذي بدأ "يعزم" ويقرأ حتى علم بما يدبره المغربي. فخرج الفقيه من مخزنه وغرس "موثق" في الأرض (الموثق مسمار حديدي يُغرس في الأرض ويُستخدم لربط الحيوانات) وأخذ يضرب عليه وهو يقرأ، فانشقت الأرض تحت قدمي المشعوذ وبدأ يغوص فيها شيئا فشيئا كلما غار "الموثق" في الأرض، حتى استغاث واعترف بهزيمته قائلا: "جيتك مالمغرب نشوف زعمة نغلبك ولا تغلبني". فأجابه لفقي عمر بكرم النفس: "ضيافة النبي ثلاث أيام"، ومكث المغربي عنده ضيفا لثلاثة أيام ثم رحل.
▪️ نظرة الناس إلى المغاربة بصفة عامة
أخبرنا أحدهم في جربة أن فكرة نمطية كانت راسخة قديما في الأقطار المشرقية بأن المغاربة (تونس، الجزائر، المغرب) معروفون بالسحر. ويروي أن جده حكى له أنه سافر للحج بداية القرن العشرين وعند وصوله للإسكندرية بالسفينة، كانت بعض النساء المصريات ينتظرن السفن القادمة من المغرب لطلب حرز. فجاءته امرأة وطلبت منه أن يكتب لها حرزا، فرفض لأنه لا يحسن ذلك، لكنه اضطر تحت إلحاحها وللتخلص منها إلى كتابة شيء عشوائي على ورقة، وهذا يدل على مدى انتشار هذه الصورة النمطية قديما.
▪️ خاتمة
إن هذه القصص برغم ما يغلفها من خيال ومبالغات، تذكرنا بأن فكرة الكنوز متجذرة في المخيال الشعبي منذ القدم وأن آثارنا التاريخية تعاني من عمليات التحفير والنبش قديما وحديثا. هذه المعتقدات والخرافات لم تقتصر على جزيرة جربة وحدها، بل كانت سائدة في مناطق متعددة، حيث يواصل بعض الناس حتى اليوم الاعتقاد بوجود كنوز مخفية وقدرة البعض على استخراجها بالسحر، ونسأل الله أن يحفظنا من كل شر ويجنبنا كل مكروه ويرزقنا الرزق الحلال المبارك.
نشر على صفحة جربة حضارة بتاريخ 28 مارس 2026
بحث وجمع المعلومات –
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire