lundi 11 mai 2026

المعتقدات الشعبية في جزيرة جربة

في جزيرة #جربة كانت هناك معتقدات تربط بعض الأفعال اليومية بعواقب خطيرة مثل موت أحد أفراد العائلة أو تفكك الأسرة ويُقال عنها إنها "بالرقبة" ويُعبّر عن ذلك الخوف في العامية بقولهم: "الناس تزدار" وربما هذه الكلمة آتية من كلمة تستطار.


وبعض هذه المعتقدات التي سنذكرها في هذا البحث كانت تقوم حسب تحليلنا على توظيف الخوف من الموت كوسيلة لتنظيم السلوك الفردي والجماعي ويمكن فهمها كآليات رمزية كانت تهدف إلى الحفاظ على التوازن الاجتماعي والاقتصادي والبيئي وقد انتقلت شفهيا عبر الأجيال لكنها لم تعد تحظى بالإيمان نفسه اليوم.


كما سنسعى إلى بيان أن هذه المعتقدات منبثقة من أحكام منطيقية وُضعت في أصلها بهدف حماية المجتمع ثم أُضيفت إليها مع مرور الوقت عناصر أخرى إلى أن تحولت تدريجيا إلى تطير.


من بين المعتقدات المتداولة قديما في جربة نذكر:

▪️ الاعتقاد بأن إقامة #المحفل في حفلة الزفاف قد يؤدي إلى وقوع مصيبة أو وفاة.

▪️ الاعتقاد بأن غراسة شجرة #التوت، أو بلوغ جذعها حجما يساوي حجم الرقبة، ينذر بحدوث وفاة.

▪️ الاعتقاد بأن ترك الدجاج يرقد على البيض ويفقس داخل #المنزل قد يؤدي إلى وفاة أحد أفراد العائلة. 

▪️ الاعتقاد بأن غراسة #التين الذكر (الذكار) قد يؤدي الى وفاة. 


ومن المهم الإشارة إلى أنّ هذه الاعتقادات لا تشمل جميع العائلات وجميع الحومات في جربة، فبعضها يسمح بها، في حين تتجنّبها عائلات أخرى. وفي بعض الحومات، لا توجد بعض هذه المعتقدات أصلًا، مثل التشاؤم من غراسة التوت.


وتشترك هذه المعتقدات في ربط فعل بشري بعقوبة رمزية قصوى، تتمثل غالبًا في الموت. 


يمكن تفسير هذه المعتقدات تفسيرا عقلاني باعتبارها أدوات ردع اجتماعي تهدف إلى حماية مصلحة الجماعة.

▪️ حالة #المحفل

يرتبط المحفل أحيانا بطقوس احتفالية تتخللها بعض الممارسات المحرمة، ومن بينها استهلاك المشروبات الكحولية. وفي حين أن هذه المشروبات متوفّرة اليوم في بعض المحلات والفنادق فإنها كانت تُحضّر قديما يوم العرس من عصير النخيل المعروف بـ"اللاقمي" حيث يُترك ليتخمّر تحت أشعة الشمس ثم يُحوّل إلى شراب مُسكر كان يُقبل عليه بعض الحاضرين في المحفل.


هذه الممارسات لم تكن عامة في جميع العائلات، بل ظلت محدودة في سياقات اجتماعية معيّنة. ولذلك كانت بعض العائلات خاصة تلك من أهل العلم الملقبين بالعزابة ترفض إقامة المحفل والطبل في أعراسها، لما قد يترتّب عنه من تجاوزات أو شجارات وارتكاب المعاصي. 


ومن ثمّ يمكن فهم إذاً هذا الاعتقاد بوصفه آلية اجتماعية لردع هذه السلوكيات والحفاظ على السلم الاجتماعي.


▪️ حالة شجرة التوت

تجذب شجرة التوت الطيور بشكل كبير، وهو ما قد يضر بالمحاصيل الزراعية في بيئة فلاحية هشة.

وعليه، فإن الربط بين غراستها وحدوث الوفاة قد يعكس رغبة في الحد من انتشارها قرب الأراضي المزروعة.

▪️ حالة الدجاج

في نظام #المنزل الجربي القائم على الفلاحة، يمكن لتكاثر الدجاج أن يسبب أضرارا للمحاصيل، إذ يقوم بنبش الأرض وإتلاف المزروعات مثل القمح والقصب والخضر. لذلك، فإن هذا الاعتقاد يعمل كآلية للحد من تكاثره داخل فضاء المنزل.


وغالبًا ما تُقدَّم اليوم تفسيرات أخرى لا ترتبط بحماية #المنزل، حيث يُروى أن أحد الأسلاف ترك دجاجة ترقد على البيض ثم حدثت وفاة في العائلة، فربط الناس بين الحدثين وظهرت هذه المعتقدات. غير أننا نرى أن التفسير الأقرب للصواب، بالنظر إلى انتشار هذا المعتقد في مختلف مناطق #جربة، هو أنه يتعلق أساسا بحماية النظام الفلاحي داخل #المنزل والحد من الأضرار. ولذلك كان الدجاج يُمنع في العديد من العائلات في جربة من أن يسرح داخل #المنزل، بل كان يُترك في القفص، أو إذا تُرك مُطلقا يُربط خيط في رجله ليسهل الإمساك به وتفادي إتلاف المزروعات.


▪️ حالة التين الذكر

يلعب التين الذكر دورًا في عملية التلقيح، لكنه يُنظر إليه كعنصرٍ مشؤوم ولم نفهم تفسير ذلك: هل لأنه يحتوي على حشرات في ثماره، فيُفسد المزروعات؟ 


كان يُتجنّب غرسه قرب المنازل، ويُفضَّل أن يكون ذلك في الغابة، غالبًا في آبار مهجورة. وفي بعض المناطق، مثل قلالة، كان يُطلب من رجل مسن أن يتولّى غراسته، اعتقادًا بأن قربه من نهاية العمر يقي من موت صغار السن عند غرسه. في حين أنّ مناطق أخرى، مثل الظهيرة، لا تُحبّذ غرسه في المنازل، لكنها لا ترى مانعا من غرسه في الغابة.


▪️ الخاتمة

هذا النوع من المعتقدات يندرج في حالته الحالية ضمن ما يُعرف بـ#التطير، وهو ظاهرة موجودة في مختلف الثقافات الإنسانية بأشكال متعددة، وقد نهى عنه الإسلام. غير أنّ ما نرجّحه هو أنّ بعض المعتقدات، مثل عدم ترقيد الدجاج، قد تكون لها أصول وظيفية ومنطقية، إذ تعود في بدايتها إلى قواعد أو قرارات اجتماعية تهدف إلى حماية البيئة أو تنظيم الحياة اليومية داخل المنزل. ومع مرور الزمن، أُضيفت إليها تفسيرات غيبية وتهديدات مرتبطة بالموت، فتحوّلت تدريجيًا إلى تطير.


إذاً لا يمكن اختزال هذه المعتقدات الشعبية في جربة في كونها فقط خرافات أو تطير، بل هي كانت جزء من منظومة متكاملة تهدف إلى تنظيم الحياة اليومية وحماية الموارد وضمان استقرار المجتمع.

وبينما يمكن تفسير بعض هذه المعتقدات اليوم تظل أخرى غامضة مثل الخوف من غراسة التين الذكر.


و توجد طبعا بعض المعتقدات التي لا يمكن تفسيرها بشكل عقلاني أو وظيفي مثل الاعتقاد بأن رؤية عدد فردي من الغربان نذير موت. ورغم أن الغراب يُعد في كثير من الثقافات رمزا للموت نظرا لتغذّيه على الجثث المتحللة فإن التمييز بين العدد الفردي والعدد الزوجي يظل غير منطقي مما يدل على أن بعض هذه التصوّرات قد تفقد أساسها العقلاني حتى إن كانت لها جذور أولى وظيفية أو تحمل رمزية الموت. 


كما أن هناك معتقدات أخرى عديدة لم نذكرها بعضها له تفسيرات واضحة وأحيانا لا.


توضيح:

 هذا موضوع نتناوله لتحليل ظواهر اجتماعية بالية حتى نفهم لماذا كان الأجداد يعتقدون بها. وليس ذلك بدافع الحنين إلى عهد مضى وإنما يندرج هذا ضمن فرع من فروع التاريخ يُسمّى الأنثروبولوجيا. نتحدث فيه بكل احترام وبنظرة تحليلية ولا عيب في مناقشته إلا إذا كنا نشجّع عليه، وهو ما لم نقم به.



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Sélection du message

برنامج نحكي عليك : الحوش الجربي

https://www.youtube.com/watch?v=dQUXE1xcCMI